دوشنبه: 27/فرو/1403 (الاثنين: 6/شوال/1445)

لا یقع البداء
فیما أخبر به الله‏ أو حججه

 

المبحث السادس: لا مجال للریب فی أنّه لا یقع البداء المعقول الّذی جاءت به الآیات والروایات فیما أخبر الله‏ تعالى ورسله به عباده؛ لأنّه موجب لتكذیبه تعالى أو تكذیب رسله، بل هو مختصّ بما هو علمه مخزون مكنون عند الله‏ تعالى وعند أولیائه المأمونین على أسراره المودعة فیهم والخیر والناس عنه.

ویدلّ على ذلك طائفة من الروایات مثل روایة الفضیل بن یسار: قال: سمعت أبا جعفر× یقول: «العلم علمان، فعلم عند الله‏ مخزون لم یُطلِع علیه أحداً من خلقه، وعلم علّمه ملائكته ورسله، فإنّه سیكون، لا یكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون یقدّم منه ما یشاء ویؤخّر منه ما یشاء ویثبت ما یشاء».([1])

 

وعلى هذا لیس البداء فی مثل تنصیص الأنبیاء بعضهم على بعض، وفی تنصیصهم على خلفائهم وأوصیائهم كتنصیص الأنبیاء الماضین على نبوّة سیّدنا رسول الله|، وتنصیصه على الأئمّة الاثنی عشـر^، وإخباره عن الملاحم والمغیّبات كشهادة أمیر المؤمنین× وشهادة مولانا أبی محمّد الحسن السبط الأكبر× بالسمّ، وشهادة أبی عبد الله‏ سیّد الشهداء× بالسیف بالطفّ، وشهادة عمّار وأنّه تقتله الفئة الباغیة، وغیرها من أخباره الغیبیّة.

كما أنّه لیس البداء فیما وعد الله‏ تعالى به نبیّه| فی القرآن المجید، وأخبره به من الحوادث المستقبلة كظهور الإسلام على جمیع الأدیان، وخروج دابّة الأرض، وخلافة المؤمنین فی الأرض، وعجز البشـر عن الإتیان بمثل سورة من القرآن إلی الأبد وإلى آخر الدهر، وغیرها، دون غیر ذلك ممّا لم یخبر الله‏ تعالى به إیّاه ولا أنبیاءه وخلفاءه بالتنصیص.

ولولا ذلك لبطل تنصیصات الرسل على من یأتی بعدهم من الأنبیاء، ولما تمّ الاستدلال بتنصیص الأنبیاء على نبوّة نبیّنا صلّی الله علیه وآله وعلیهم أجمعین، مع أنّ الله‏ تعالى احتجّ بذلك فی كتابه الكریم.

قال الله‏ تعالى: ﴿الَّذِینَ آتَیْنَاهُمُ الْكِتَابَ یَعْرِفُونَهُ كَمَا یَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.([2])

 

وقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الْأُمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ  فِی التَّوْراةِ  وَالْإِنْجِیلِ﴾.([3])

وقال عزّ من قائل: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِی التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِی الْإِنْجِیلِ‏﴾.([4])

وقال تعالى شأنه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِیسَى ابْنُ مَرْیَمَ یَا بَنِی‏ إِسْرَائیلَ إِنِّی رَسُولُ اللّٰهِ إِلَیْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَیْنَ یَدَیَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشّـِراً بِرَسُولٍ یَأْتِی‏ مِنْ بَعْدِی اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.([5])

ألا ترى أنّه لا یسمع من أهل الكتاب ادّعاء وقوع البداء فی مثل هذه النصوص، كما لا یسمع ادّعاء الإمامة من غیر الأئمّة الاثنی عشر^.([6])

 

والحاصل: إنّ وقوع البداء فی هذه التنصیصات، والتعریفات وما به یعرف المحقّ من المبطل، والآیات والعلامات والملاحم لا یوافق حكمة الله‏ تعالى، ومفسد لنظام النبوّات، ویبطل الاتّكال على التنصیصات وأخبار الأنبیاء والأوصیاء، ولذا لم یحتمل أحد فی قصّة صلح الحدیبیّة جواز وقوع البداء فیما أخبر به النبیّ| من فتح مكّة المكرّمة، ولم یردّ النبیّ| اعتراض المعترض المنافق بعدم لزوم وقوعه فی هذا العام؛ لجواز وقوع البداء فیه، بل أجابه بأنّه| لم یقیّده بهذا العام، ([7]) قال الله‏ تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْیَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّٰهُ آمِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِینَ‏﴾.([8])

 

 

 

 

([1]) البرقی، المحاسن، ج1، ص243؛ الکلینی، الكافی، ج 2، ص 147، باب البداء، ح6.

([2]) البقرة، 146؛ الأنعام، 20.

([3]) الأعراف، 157.

([4]) الفتح، 29.

([5]) الصفّ، 6.

([6]) بل یمكن أن یقال: إنّ التنصیص على إمامة الأئمّة وولایتهم لا یجوز أن یقع فیه البداء، لأنّه إخبار عن الولایة الّتی هو من الاُمور الإنشائیة والمجعولات الشـرعیة، كما قال الله‏ تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِیمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّی جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً (البقرة، 124)؛ بل یمكن أن یقال ذلك فی الرسالة أیضاً؛ استناداً بقوله تعالى: ﴿اللّٰهُ أَعْلَمُ حَیْثُ یَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (الأنعام، 124) فلا یتطرّق فی مثل ذلك البداء؛ لأنّه بعد الإنشاء یقع على ما یقع، ورفعه بعد وجوده فی وعاء الاُمور الاعتباریة قبل مجیء زمان القیام به لا یجوز، ویكون من رفع الحكم قبل مجیء وقت إتیانه، نعم إذا لم یكن المولى فی إنشائه جادّاً وکان إنشاؤه صوریّاً یجوز رفعه، لكن هو خارج عمّا نحن فیه، وأمّا بعد قیامه به فلا یجوز رفعه وقطع استمراره، لأنّ الله‏ تعالى لا یشرّف أحداً بنصبه للإمامة والولایة الّتی هیZ [عهده الّذی لا یناله الظالمین إلّا إذا کان جامعاً بشـرائط تولّیها من العصمة عن الذنوب والخطاء فی ماضی عمره ومستقبله، لا ینتزع منه لباساً وتشریفاً شرّفه به، فكیف یجوز بعد أن ابتلى إبراهیم بما ابتلاه وجعله للناس إماماً انتزاع هذه الكرامة الّتی كرّمه بها منه؛ هذا مضافاً إلی أنّ النصوص قد دلّت على استمرار الولایة والإمامة العامّة لمن نصبه الله‏ لها صراحة.

([7]) ابن هشام، السیرة النبویّة، ج3، ص791؛ الطبرسی، إعلام الوری، ج1، ص235؛ ابن کثیر، تفسیر القرآن العظیم، ج4، ص215؛ ابن کثیر، البدایة والنهایة، ج4، ص258؛ ج6، ص203؛ ابن کثیر، السیرة النبویّة، ج3، ص428؛ الحلبی، السیرة الحلبیة، ج2، ص97؛ المجلسی، بحار الأنوار، ج21، ص169.

([8]) الفتح، 27.

موضوع: 
نويسنده: